الرئيسية

ثلاثة عشر عامًا من الانتظار.. النهاية الموجعة لعائلة رانيا العباسي

 

ثلاثة عشر عامًا من الانتظار.. النهاية الموجعة لعائلة رانيا العباسي، في كل الحروب والصراعات تبقى هناك قصص تتجاوز حدود الألم المعتاد، قصص يصعب على العقل استيعابها مهما طال الزمن. ومن بين هذه القصص المأساوية تبرز قضية الطبيبة السورية رانيا العباسي وعائلتها، التي تحولت على مدار أكثر من ثلاثة عشر عامًا إلى واحدة من أكثر القضايا إيلامًا في ذاكرة السوريين.

بدأت المأساة عندما اعتُقل زوجها عبد الرحمن العباسي، وبعد أيام قليلة امتدت يد الاعتقال إليها وإلى أطفالها الستة، الذين كانت أعمارهم تتراوح بين عامين وثلاثة عشر عامًا. في ذلك الوقت لم تكن رانيا تتصور أن الخطر قد يصل إليها أو إلى أطفالها. فقد كانت، بحسب روايات أفراد عائلتها، ترى نفسها أمًا وطبيبة لا علاقة لها بما يجري من صراع، بل إنها كانت تدعو شقيقتها للعودة إلى سوريا وافتتاح عيادة بالقرب من عيادتها. وعندما طالبها أهلها بمغادرة البلاد عقب اعتقال زوجها، كان ردها البسيط والعفوي: “أنا امرأة أجلس مع أطفالي، ماذا يمكن أن يحدث لي؟”.

لكن ما حدث كان أبشع مما يمكن تخيله.

على مدار السنوات التالية، لم تتوقف عائلة رانيا عن البحث والسؤال وملاحقة أي خيط قد يقود إلى معرفة مصيرها ومصير أطفالها. تنقلوا بين المؤسسات والجهات المختلفة، ناشدوا، وبحثوا، وعرضوا المكافآت، وظل الأمل يرافقهم بأن يكون أحد الأطفال على الأقل قد نجا أو بقي على قيد الحياة.

وخلال تلك السنوات، تكشفت قصص كثيرة مشابهة، أظهرت أن اعتقال العائلات بأكملها، بما في ذلك النساء والأطفال وكبار السن، لم يكن حوادث فردية معزولة، بل تحول إلى نمط متكرر عاشه آلاف السوريين. ومع كل رواية جديدة كان السؤال نفسه يتكرر: ما الذي يمكن أن يشكله طفل في الثانية أو السادسة أو السابعة من العمر من تهديد يستدعي الزج به في السجون؟

اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا من الغموض والانتظار..

ظهرت معلومات صادمة تشير إلى أن أفراد العائلة قُتلوا جميعًا، وأن الأطفال لم يكونوا ضحايا اعتقال فقط، بل ضحايا سياسة قمعية حولت البراءة نفسها إلى تهمة.

وتشير روايات أفراد من العائلة إلى أن الأطفال قُتلوا خنقًا، فيما ظل مصيرهم مجهولًا طوال هذه السنوات. كما أوضحت العائلة أن والد الأطفال عبد الرحمن العباسي وخالهم الأستاذ حسان العباسي كانا يقدمان مساعدات إنسانية تمثلت في توفير الأدوية والتمر للثوار، وأن هذه الأنشطة كانت من الأسباب التي وضعت العائلة في دائرة الاستهداف الأمني، إلى جانب مساعدتهم لعائلات نازحة من مدينة حمص.

إن مأساة رانيا العباسي ليست مجرد قصة عائلة اختفت في ظروف غامضة، بل تمثل صورة مكثفة لما يمكن أن تفعله سياسات الاستبداد عندما تتحول أجهزة الدولة إلى أدوات للعقاب الجماعي. فالكارثة لم تكن نتاج تصرف فرد أو ضابط بعينه، بل نتيجة بيئة كاملة سمحت بتغول السلطة وتوسع دائرة العقاب لتشمل الأبرياء والأطفال والنساء، ورسخت ثقافة الإفلات من المحاسبة مقابل الولاء.

لقد دفعت سوريا وشعبها أثمانًا باهظة من الدماء والمعاناة والتشريد خلال سنوات الصراع. وما جرى لعائلة رانيا العباسي يظل شاهدًا مؤلمًا على حجم المأساة الإنسانية التي عاشها السوريون، وعلى الثمن الذي يدفعه المجتمع عندما تُغيب العدالة ويُطلق العنان للقوة دون رقيب أو محاسبة.

رحم الله رانيا العباسي وزوجها عبد الرحمن وأطفالهما الستة، ورحم جميع ضحايا هذه المأساة. كما نسأل الله أن يمنّ على ذويهم بالصبر والسلوان بعد سنوات طويلة من الانتظار والبحث والأمل، وأن يحفظ الشعوب من ويلات الظلم والاستبداد، وأن يلهم المسؤولين في كل مكان الحكمة والعدل، فهما الضمانة الحقيقية لحماية الأوطان وصون كرامة الإنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى